بعد مناقشة البحوث المتعلقة بهذا الموضوع، الذي هو موضوع هذه الدورة، انتهى المجلس إلى ما يلي:

إنّ لمآلات الأفعال اعتبارًا مهمًا في استنباط الأحكام وتنزيلها؛ لما ينبني عليه من سد للذرائع وتحقيق للمقاصد كما ذهب إليه معظم أهل العلم، وعلى ذلك أدلّة كثيرة من القرآن والسنة، منها قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، وقوله صلى الله عليه وسلم: “يا عائشة، لولا قومك حَدِيثٌ عَهْدُهُم بكفرٍ لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين، بابٌ يدخلُ الناسُ، وبابٌ يخرجون”([1]). ولأن أحكام الشريعة منوطة بتحقيق مقاصدها، فالمقاصد لئن كانت تتحقق عند تنزيل الأحكام على الأفعال المتعلقة بها بصفة عامّة إلا أنّ بعض الأفعال قد تحفّ بها ظروف خاصّة فلا يتحقّق فيها المقصد الشرعي عندما يطبّق عليها الحكم الخاصّ بها، فيكون ذلك مبرّرًا لأن يُعتبر هذا المآل الذي تؤول إليه فيكون الحكم الشرعي تبعًا لذلك.

وإذا كان المآل معتبرًا في الأحكام، فإنه ينبغي التحوط في تقديره، حتى لا ينتهي الأمر إلى المآل الموهوم فيبنى عليه حكم في غير موضعه، ويكون في ذلك خطأ في تقرير أحكام الشريعة أو تنزيلها؛ ولذلك ينبغي أن لا يُعتبر في المآلات إلا ما يتحقق العلم به على وجه اليقين أو الظنّ الغالب.

ومن باب التحوّط في تقدير المآل أن تستعمل العلوم الحديثة في هذا التقدير، فكثير من هذه العلوم أصبح فيها عون كبير على تقدير المآلات التقدير الصحيح، ويمكن أن تستخدم هذه العلوم في تحديد مسالك منهجية يعرف من خلالها المآل مثل مسلك الاستقراء، ومسلك الاستشراف المستقبلي، ومسلك الاسترشاد بالأعراف، وغيرها مما تساعد عليه علوم الإحصاء وعلوم الاجتماع وعلوم النفس، والتحليل الاقتصادي، وغيرها.

وإذا كانت المآلات معتبرة بصفة عامّة، فإنّ الأمر يكون أوكد في شأن المسلمين بالبلاد الأوروبية؛ ذلك لأن هذه البلاد تخضع لسلطان اجتماعي وقانوني غير السلطان الإسلامي، وهو مدعاة بصفة أوسع لأن يكون للكثير من الأفعال عند تطبيق أحكامها عليها مآل غير المآل المقصود من تلك الأحكام، وغير المآل الذي تنتهي إليه في البلاد الإسلامية. وذلك ما يدعو إلى دفع الهمم العلمية للتوسّع في ضبط المسالك المنهجية للعلم بالمآلات؛ استخدامًا للعلوم المساعدة على ذلك، مع مراعاة هذه الخصوصية المتعلقة بالوجود الإسلامي في البلاد الأوروبية.

([1])      متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: 126)؛ ومسلم (رقم: 1333)، من حديث عائشة، واللفظ للبخاري.
WordPress Appliance - Powered by TurnKey Linux